خواجه نصير الدين الطوسي

392

شرح الاشارات والتنبيهات مع المحاكمات ( وشرح الشرح قطب الدين الرازي )

الهمس الصوت الخفي - وحفيف الفرس دويه في جريه - وكذلك حفيف جناح الطائر وخلجه جذبه - وانتزعه وخلجه أيضا شغله وأزعجه فانزعج - أي أقلعه من مكانه فانقلع - وتاح له أي قدر وفي رواية باح أي ظهر - يقال باح بسره أي أظهره - والمعنى أن للعارف أحوالا - لا يحتمل فيها الإحساس بشاغل يرد عليه من خارج - ولو كان ذلك الشيء أضعف مما يحس به فضلا عما فوقه - وتلك الأحوال تكون في أوقات توجهه بسره إلى الحق - إذا ظهر في تلك الأوقات حجاب قبل الوصول إلى الحق - أو قدر له حجاب إما من جهة نفسه - كما يرد عليها ما يزيل استعداده للوصول - أو من جهة حركة سره كما أن يتمايل في فكره - فيعرض له الالتفات إلى شيء غير الحق - وبالجملة لا يتم بسبب أحد المانعين وصوله بالحق - بل يبقى منتظرا متحيرا - فيغلب عليه بسبب ذلك السآمة - من كل وارد غير الحق - والملالة عن كل شاغل عنه - فلا يحتمل شيئا مما وصفناه - أما عند الوصول والانصراف فلا يكون كذلك - لأنه عند الوصول لا يخلو من أحد أمرين - أحدهما أن تكون القوة بحيث لا تقدر مع الاشتغال بالحق - على الالتفات إلى غيره - إما لقصورها أو لشدة الاشتغال - وحينئذ يكون مشغولا بالحق فقط - غافلا عن كل ما يرد عليه - فلا يحس بالشواغل الخارجية - والثاني أن تكون القوة بحيث تفي بالأمرين معا - فلا تمل بالأمور الخارجية - لأنها لا تكون شاغلة إياه عن الحق - وأما عند الانصراف - فلأنه يكون حينئذ أهش الخلق ببهجته - فيتلقى ما يرد عليه مع انبساط وبشاشة ( 23 ) تنبيه [ في بيان أن العارف لا يعنيه التجسس ] العارف لا يعنيه التجسس والتحسس - ولا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر - كما تعتريه الرحمة فإنه مستبصر بسر الله في القدر - وأما إذا أمر بالمعروف أمر برفق ناصح - لا بعنف معير - وإذا جسم المعروف فربما غار عليه من غير أهله لا يعنيه أي لا يهمه - وفي الحديث من طلب ما لا يعنيه فإنه ما يعنيه - والتجسس التفحص وتحسست من الشيء أي تخبرت خبره - واستهواه الشيطان وغيره أي استهامه - وعيره أي نسبه إلى العار وجسم أي عظم - وغار الرجل على أهله يغار غيرة - ومعناه أن العارف لا يهتم بتجسس أحوال الناس - وذلك لكونه مقبلا على شأنه